تفكك الهدنة كان نتيجة طبيعية لأزمة ثقة مزمنة، حيث تحولت التهدئة إلى مجرد “استراحة قصيرة” قبل استئناف القتال
أعاد انهيار مذكرة التفاهم المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران المنطقة إلى مربع التصعيد المباشر، كاشفاً في الوقت نفسه أن الطرفين لا يتجهان نحو حرب إقليمية شاملة بقدر ما يستعدان لمعركة استنزاف طويلة تقوم على فرض معادلات ردع متبادلة ورفع كلفة المواجهة.
وتجمع التحليلات السياسية الصادرة في كبريات الصحف العالمية مثل “فايننشال تايمز”، “تلغراف”، “الغارديان”، وموقع “أكسيوس”، على أن تفكك الهدنة كان نتيجة طبيعية لأزمة ثقة مزمنة، حيث تحولت التهدئة إلى مجرد “استراحة قصيرة” قبل استئناف القتال.
وتشير القراءات التحليلية إلى ملامح الإستراتيجية الحالية لكلا الطرفين على النحو التالي:
تخبط الخيارات الأمريكية: تواجه إدارة الرئيس دونالد ترامب معضلة في صياغة إستراتيجية واضحة؛ فبينما يستبعد الخبراء سيناريو “الحرب الشاملة” لتبعاته الكارثية على أسواق الطاقة والقواعد الأمريكية في الخليج، يبرز خيار “الصراع منخفض الحدة” كأمر واقع.
ويقوم هذا التكتيك على الاستمرار في توجيه ضربات عسكرية محددة وفرض عقوبات إضافية بهدف إجبار طهران على تقديم تنازلات نووية وإقليمية، مع الإبقاء على خطوط التفاوض الخلفية مفتوحة.
سلاح الجغرافيا الإيراني: في المقابل، صاغت طهران إستراتيجية مواجهة تعتمد على “الجغرافيا” كأداة ردع أساسية بدلاً من الكم العسكري، مرتكزة على أربع ركائز رئيسية:
أولها تعطيل حركة الملاحة وصادرات النفط في مضيق هرمز عبر الألغام واستهداف المنشآت.
ثانيها الضغط المتزامن على مضيق باب المندب عبر الحلفاء الحوثيين.
ثالثها استنزاف القوات الأمريكية بهجمات غير متكافئة لرفع الكلفة السياسية لوجودها.
رابعها اعتماد “الغموض الإستراتيجي” لإبقاء الخصوم في حالة عدم يقين، بالتوازي مع إعادة توزيع منشآتها العسكرية لتقليل فاعلية الضربات.
وتعكس هذه المعطيات أن مضيق هرمز بات القضية المركزية في الصراع؛ فبينما يحاول ترامب الموازنة بين استعراض القوة العسكرية والبحث عن مخرج سياسي لحرب لا تحظى بتأييد شعبي داخل أمريكا، ترى إيران في السيطرة على ممرات الطاقة الضمانة الوجودية الوحيدة لإحباط الضغوط الأمريكية، مما يجعل المنطقة مفتوحة على دوامة من “عدم الاستقرار المحكوم” دون حسم عسكري نهائي قريب.

اترك تعليقاً